الفصل الأول من ديوان محكمة الايام
بقلم الكاتب الصحفي وشاعر البسطاء سعيد سعيد أمام
افتتاح الجلسة
1 ـ نداء الزمن
في قاعة كبيرة ما لهاش حدود
مبنية من عمر البشر
حيطانها من ذكرى السنين
وسقفها من صبر وقدر
وقف الزمن فوق منصته
لا شيخ ولا طفل صغير
ملامحه شايلة حكايات
من أول الدنيا للمصير
دق بمطرقته في هدوء
فسكتت أصوات المكان
واتجمعت أرواح كتير
جاية من كل زمان
فيها اللي عاش عمره وفي
وفيها اللي خان الأمان
وفيها اللي شال وجع غيره
وفيها اللي باع الإنسان
قال الزمن
افتحوا دفاتر العمر
هاتوا حساب السنين
هاتوا كلام كان بيتقال
بين الأحباب والغالين
هاتوا دموع المظلومين
وفرحة الصابرين
هاتوا الحقيقة عارية
بعيد عن زيف العناوين
النهارده مفيش أقنعة
ولا ألوان ولا ستار
كل واحد هيقف هنا
ويحكي مشواره باختصار
مش هنسأل مين كان غني
ولا مين امتلك عقار
هنسأل عن قلب الإنسان
وقت الشدة والانكسار
هنسأل عن كلمة صدق
قالها لوجه الله
هنسأل عن يد ممدودة
لواحد أتعبه الأسى
هنسأل عن حلم اتزرع
في أرض عطشانة للمنى
وعن ضمير فضل صاحي
رغم تعب الدنيا
هنا الكل سواء
لا فرق بين الأسماء
ولا بين صاحب منصب
وواحد عاش في الخفاء
كلهم واقفين قدامي
تحت نور المساء
والميزان في إيدي عادل
لا يعرف مجاملة أو رياء
وفجأة قام شيخ كبير
كان شايل فوق كتفه عمر
قال للزمن
أنا جاهز للشهادة
بعد رحلة طويلة من السفر
وقامت أم من آخر الصف
وفي عينها ألف أثر
وقالت
وأنا كمان عندي حكاية
من وجع السنين والصبر
وقام طفل صغير
لسه الحلم في عينيه منور
وقال
أنا جيت أقول اللي شفته
قبل ما قلبي يكبر
ابتسم الزمن وقال
الدور جاي على الجميع
كل روح هتقول حكيتها
من غير زيادة أو تضييع
النهارده نبدأ الرحلة
بين الخسارة والربيع
ونعرف مين ساب نور وراه
ومين عاش عمره يبيع
ثم رفع الزمن صوته
فاهتزت أركان المكان
وقال
باسم الأيام والسنين
باسم الحقيقة والوجدان
أعلن افتتاح الجلسة
في محكمة الإنسان
ولتبدأ الشهادات
وليشهد الزمان
2 ـ القسم العظيم
لما الزمن أعلن الجلسة
وساد السكوت المكان
وقفت أرواح كتيرة
من كل لون وكل زمان
واقف الغلبان بجلبابه
وواقف صاحب السلطان
واقف اللي شال أمانة
وواقف اللي خان الأمان
وسط القاعة قام الضمير
بوجه ما يعرفش الريا
وقال بصوت هز القلوب
وعدّى فوق كل الخفايا
قبل ما تنطقوا شهادة
وقبل ما تتحكى الحكايا
لازم تقسموا قدام الحق
وتشهدوا من غير مزايا
ارفعوا إيديكم للحقيقة
بعيد عن الزور والبهتان
وقولوا كلمة ما فيهاش خوف
ولا مجاملة لإنسان
هنا لا مال ينفع صاحبه
ولا جاه ولا سلطان
هنا الكلام بيتوزن عدل
بميزان رب الأكوان
فقالوا كلهم بصوت واحد
نقسم بوجع السنين
نقسم بدمعة المظلومين
نقسم بضحكة الصابرين
وبحلم كل المخلصين
نقسم نحكي اللي حصل
من غير زيادة أو تزيين
ولا نخفي جرحًا قديمًا
ولا نبيع حق اليقين
نقسم نقول مين كان وفي
وقت الضيق والامتحان
ومين باع العهد بسهولة
لما اتبدل له الزمان
ومين وقف سند للناس
لما ضاقت بهم الأوطان
ومين ساب إيده للمحتاج
وكان للخير عنوان
نقسم نحكي عن الأحلام
اللي اتولدت من العدم
وعن قلوب عاشت كريمة
رغم القهر والألم
وعن ناس كانت نور لغيرها
في عز الضيق والظلم
وعن بشر ضيعوا عمرهم
يجمعوا في سراب ووهم
وفجأة ساد الصمت ثانية
كأن الزمن بيستمع
لكل كلمة خارجة بصدق
من قلب عاش واتوجع
ثم قام الضمير وقال
الحق عمره ما يضيع
واللي عاش عمره أمين
أكيد يوم يلقى الربيع
أما اللي خان أو ظلم غيره
أو باع عهده في البيع
هيفضل صوته يطارده
مهما استخبى أو يضيع
ثم نظر الزمن للجمع
وقال بصوت كله وقار
الآن يبدأ سماع الشهود
ويبدأ كشف الأسرار
كل شهادة هتكون مرآة
تعكس حقيقة المشوار
ومن أول شاهد يدخل
هتبدأ رحلة الأعمار
دقت مطرقة الزمن
ورجع السكون للمكان
وتجهزت كل الأرواح
لسماع أول بيان
وقال الزمن
هاتوا أول شاهد
شاهد عرف معنى الوفاء
وعاش عمره يصون الإنسان