معلقة ؛ نزف العقول
بقلم الشاعر ؛ محمد علي باني
مقدمة تتويجية (مدخل وجداني)
ما بين عقل يولد هنا...ويدفن هناك ، وما بين وطن يلد ابناءه نورا...ثم يسلمهم إلى الريح ،
تقوم هذه المعلقة لا لتبكيهم ، بل لتديننا جميعا ،هي ليست رثاء للعقول....بل شهادة على زمن ، صار فيه النبوغ جريمة ،والرحيل خلاص.
المعلقة ؛ نزف العقول
اابصرت دهرا يستجير بجهله
ويستبدل الأضواء ظلا مقلدا
ويشرب من نبع العقول مهجرا
ويترك في أوطانه العشق الصدا
تراه إذا ما النور أشرق في الفتى
تعامى ، وإن وافى الظلام له اهتدى
كأن عيون القوم أغلق بابها
فما عاد يبصر في البصائر مرشدا
نهاجر لا خوفا ، ولكن لأننا
رأينا المقام الذل صبرا مقيدا
إذا نبغ الإنسان ضاقت دياره
وإن خملت نفس تسامى وأسيدا
ويقصى الذي يبني ، ويدنى الذي طغى
كأن الذي يغني الخراب هو الهدى
رأيت المعالي في المرافئ حزنا
تلوح ، لا تدري إلى من تودعا
كأن عقول السمر تشحن صامتا
سفنا ، وتخفى في الرحيل موردا
إلى حيث يسقى الفكر ماء عناية
ويرفع قدر العقل تاجا مخلدا
وهنا تهان الفكرة البكر إن نمت
ويطفأ نور الصدق إن كان موقدا
أفي الأرض موضع لغير بصيرة ؟
وهل يستوي من أبصر النور من عمدا ؟
كأن حطين لم تورث سيوف هدى
ولا علمتنا كيف يرفع من سجدا
وكأن بغداد استراحت لوجعها
فلم يبقى إلا الصمت فيها مشيدا
وقرطبة تبكي مفاتيح عزها
وتسأل ؛ أين المجد ؟ أين الذي شدا ؟
نربي البناة ثم نجني اقتلاعهم
كأن الذي نغرسه قد تبددا
ونكسو لسان الغير زهرا كأننا
إذا ضعنا فيه وجدنا به المدى
أيا أمة باعت ذخائر عقلها
لتشتري الاوهام مجدا مزيدا
أما ٱن أن نبني الوجود بعقلنا
وان يستعاد الحرف سيفا مجردا
إذا ضاق صدر الأرض عن نور عقلنا
فليس لنا إلا السما ان تؤيدا
الخاتمة الصوفية ؛
إذا انكشف الحجاب عن سر ذاتنا
رأينا الذي كنا نظنه مبعدا
فما ضاع نور في الوجود وان خبا
ولكن عين القلب كانت ترددا
فيا من ظننتم أن في البعد نجوة
وجدتم ــ إذا حق البصير ــ المبتدا
التوقيع ؛
أنا إبن حرف إذا ما لامس الألم
نبض الحنين به، وارتد ملتهما
محمد علي باني/ تونس