معلقة؛ رحلة الإنسان
بقلمي الشاعر محمد علي باني
ألا فاسمعوا قولي إذا الحرف انصفا
فإني رأيت الدهر بحرا مخوفا
رأيت إبن ٱدم كان مشردا
يطارد في بيداء عيش لهدفا
ينام على صدر الصخور كأنه
غصين اضاع الريح منه المعاطفا
ويشعل من زند الحجارة ناره
ويحسب ضوء النار كنزا مشرفا
ويجري وراء الصيد يسعى لقوته
ويجعل من جلد الذئاب له دفا
فمضت به الأيام حتى تفتحت
عيون المعالي واستفاق لما خفا
فخط الحروف على الطير مبتسما
فصار الذي يروى من العلم يعرفا
وشيد للأفكار بيتا من الورى
فأصبح بعد الجهل بالعقل موصفا
وأبحر في بحر العلوم مغامرا
فنال من الاسرار ما كان مرهفا
وقاس نجوم الليل حتى كأنه
يحادث أقمار السماء تلطفا
وأرسل للأقطار حرفا محلقا
فصار صدى الأصوات شرقا ومغربا
وكان إذا اشتاق الحبيب لحبه
يسير شهورا كي يراه ويكشفا
فأصبح في لمح العيون مخاطبا
ويبعث ألف القول برقا موظفا
وكان بريد الأمس يمشي على مدى
فصار بريد اليوم ياتيك مختطفا
وكانت قوافلهم تشق مفاوزا
فصار الحديد الجون يطوي المسافا
وصار جناح الطير يركب أمره
فحلق فوق السحب عزا وموقفا
وغاص إلى أعماق بحر مظلم
وصعد نحو النجم عقلا مثقفا
وإنني لما تأملت رحلته
وجدت سؤالا في الضمائر أوقفا
أزادته هذه المكتشفات مروءة ؟
أم القلب عن بعض الفضائل انصرفا ؟
فكم ٱلة جاءت لتخدم أهلها
فصارت على الأبرياء بها الأسى
وكم علم سام أضاء طريقه
فأمسى بأيدي الظالمين محرما
فثابتة تبقى الحسابات كلها
ولن يجعلوا الإثنين يوما مخالفا
وثابتة سنن الإله يحكمها ولو
بلغ الإنسان ما شاء واكتشفا
ولكن وجه العيش غير شكله
صار الذي بالأمس عسرا ملطفا
فلا خير في علم إذا غاب رشده
ولا نفع في عقل عن الحق قد عمى
فإن الذي يبقى في الناس كلهم
هو العدل إن ساد والخلق إن صفا
وما المجد إن تعلو بٱلة عصرك
ولكن بأن تبقى كريما ومنصفا
التوقيع ؛
أنا إبن حرف إذا ما لامس الألم
نبض الحنين به، وارتد ملتهما
محمد علي باني/ تونس