recent
أخبار ساخنة

اللغز ..... للأستاذ. محمد علي باني

معلقة؛ اللغز 

بقلمي الشاعر محمد علي باني 

أقبلت ألتمس اليقين فأعوزت 
عيني الطريق ، وحيرني المنظر 

ورأيت بابا لا يفسر سره 
إلا الذي في قلب يتفكر 

وألمحت بحرا لا شواطئ حوله 
ويغوص فيه العالم المتبصر 

وبئرا بغير الماء يروي واردا 
ويظل فيه الجاهل المتحير 

وصخرة صماء لكن الصدى 
من خوفها بالحكمة الغراء يزهر 

فسألتها من أنت؟ قالت؛ لم تزل 
تطلب الجواب، وفيك المصدر 

وقلت؛ افي العينين سر حقيقة؟
فقال؛ صمتي؛ بل هنالك أبصر 

ومشيت أحسب أنني أدركتها 
فإذا بكل جوابه يتكسر 

وناداني صوت خفي ؛ لا تقف 
إن اليقين لمن يعاني يوثر 

فالعلم ليس لمن حفظت حروفه 
بل بالذي من نوره تتحرر 

دنوت من البحر العميق فلم أجد 
موجا، ولكن كل موج يحير 

ورأيت فيه السائرين، وما لهم 
سفن ، ولكن كل عقل يبحر 

يظنه الغر المقلد لجة 
ويرجع الحر البصير ويبصر 

وكم غاص فيه المرء يبغي دره 
فعاد وفي كفيه وهم أغبر 

وكم واقفا على الشواطئ ٱمنا 
ولم يدري أن الخوف فيه أكبر 

فسألت شيخا ؛ أين قعرك يا ترى؟
فقال؛ لمن يطلب بصدق يظهر 

وقلت؛ واين الدر ؟ قال لا تبتغ 
جوابا ، فإن السؤل هو الجوهر 

وأدركت أن الغوص ليس بقوة 
ولكن بقلب للحقيفة يصبر 

ومضيت والبحر الغريب ورائي 
ولكنه في داخلي يتكاثر 

تبعت خطى البحر الغريب فقادني 
الى بئر سر ماؤها لا ينظر 

يرد الورى ظمأى فيصدر أكثر 
ولم يرتو منها سوى من يفكر 

ويغرف منها كل كف، غير أن 
لكل إناء قدر ما يتصور 

ففيها من يرى الغر انعكاس وجوهه 
ويلمح فيها الحر سرا يحير 

فقلت؛ وما بال الذي عاد ظامئا ؟
فقالوا ؛ شرب اللفظ ، والمعنى تنكر 

وما كان ماء البئر يوما ناقصا 
ولكن عين المرتوي تتطهر 

ونادى منادي من عميق سكونها 
لا تطلب الماء ... وطهر ما ينظر 

فمضيت والبئر العجيب خلف خطوتي 
ولكنه في مهجتي يتفـــجر 

ولما دنوت من المرٱة توقفت 
خطاي وقال الصمت ؛ ها هنا اختبر 

رأيت وجوها في الزجاج وما رأيت 
وجوها ، ولكن كل وجه يتستر 

وقلت؛ أهذا أنا ؟ فارتد سؤالي 
إلي , وما للشك في مقر 

أرى الصورة الأولى، وأجهل سرها 
فكيف أسمي ما خفي وأفسر؟

وكم ناظر يرضى بظاهر شكله 
ويغفل عما في الضمير يدبر 

فقالت مرٱة الروح لا تنظرن إلى 
ملامح وجه...فالحقيقة أعمق 

فإن الذي يبغي الحقيقة بمقلة 
سيعييه ما لا تدرك العين والبصر 

وما الوجه إلا ثوب عمر عابر 
وأما الذي يبقى ففكر يذكر 

فتركت مرٱتي ، ولكن صورتي 
ظلت تسائلني .. وعقلي يفكر 

سألت دهري من يسير بصمته؟
أنحن نمر ...أم هو المتكرر ؟ 

فضحكت الساعات حتى خلتها 
تخفي جوابا لا يبوح ويظهر 

رأيت غدا يمشي وخلفي أمسنا 
وكلاهما في مقلتي يخيم 

فقالت؛ أيبقى الأمس بعد رحيله ؟
فقال ؛ بما في القلب منه يذكر 

وقلت أيأتي الغد المجهول واضحا ؟
فقال؛ يصوره الذي يتفكر 

وما الوقت إلا مرٱة لفعلنا 
فمن زكى خطوه فيه تنوروا 

ومن عاش أسير الأمس طال أساهه 
ومن باع يومه للظنون تحيروا 

فنادى خفي من عميق سكونه؛ 
لا تسأل الدهر ...وسل من يدبر 

فإن الزمان ليس يمضي وحده،
ولكننا في حكمه نتغير .

ورافقني ظلي فظننت أنه 
رفيقي وإني في الطريق أسافر 

يمد خطاه إن مددت ، وان أقف 
يقم . غير اني لا أراه يفكر 

فقلت؛ أأنت أنا ؟ فهز سكونه 
وقال؛ أنا صورة ...وغيرك جوهر 

تراني طويلا عند فجرك مرة 
وعند الظهيرة يختفي ما يصور 

فلا تغترر بالطول، ان ازدياده 
دليل افتقار ، لا دليل تفاخر 

ولا تحسب التقصير نقصا فربما 
يقل الظلال ، والنهى تتنور 

وما الظل إلا أثر النور إذا أتى 
فلو غاب ضوء ، غاب ما يتصور 

فقلت؛ أرى الأشياء تحيا بضدها 
فهل كل ما نرجو بضده يذكر؟

فنادى مناد ؛ إن من يعرف الضياء 
يعرف ظلال الوهم حين تبعثر 

ومن طارد الظل استحال مسيره 
ومن قصد النور استقام له السفر 

ولما بلغت الحرف قلت؛ أأنت ما 
به يبدأ الادراك أم يتأخر ؟ 

فقال؛ أنا صوت فلا تغترر بي 
فكم صاح لفظ والحقيقة تستر 

وكم كلمات أحكمت في بيانها 
ولم تحي قلبا بل تعيد و تكرر 

وكم لفظة جاءت على غير زينة 
فأحيت عقولا والزمان يقر 

فلبس البيان بالحروف وحدها 
ولكن بمعنى في الضمائر يزهر 

إذا استقام المعنى استقام بيانه 
وإن فسد المقصود فاللفظ يعثر 

فقلت؛ أرى الحروف جندا صامدين 
فمن قائد الجيش الذي يتصدر ؟ 

فقال ؛ ستعرفه ... لكن إذا سقط الغطا 
وأبصرت أن الحرف لا يتفاخر 

فالحرف جسم ، والمعاني روحه 
وبالروح لا بالجسم ، يبقى المظهر 

وقلت لعقلي هل أنا أنت وحدك ؟
فقال؛ فهل يرقى اليقين بمظهر؟

وهل تبقى الغايات حفظا مجردا ؟
أم العلم نور في البصائر يزهر؟

فلا البحر كان البحر لما غصت فيه 
ولا البئر ماء ، والحقيقة أكبر 

ولا المرٱة انعكاس وجه رأيته 
ولكنها نفس تحاسب وتذكر 

ولا الظل كان الظل ، بل كان وهمنا 
إذا غاب نور العقل عاد ويكثر 

ولا الوقت يمضي ، بل نمر بدربه 
ويبقى الذي قدمناه ينشر 

ولاالحرف يحيا دون روح معانه 
فإن مات معناه فكل يبعثر 

فما كانت الالغاز الا سلما 
إلى عقل من بالبرهان يتحرر 

ومن طلب الحق المجرد صادقا 
رأى أن كل الكون للعقل مظهر 

لسنا نقيم اذا أقمنا حروفنا 
لكن إذا المعنى استقام تجذر 

التوقيع؛

انا لست ابقى بالجسوم وإنما 
بفكري وحرفي أولد متجددا 

محمد علي باني/ تونس
google-playkhamsatmostaqltradent