عجبًا
عجبًا هنا في غرْبتي وَمَتاهَتي
رُغمَ الطبيعةِ بلْ وَرُغْمَ رِوايَتي
فكري يُعيدُ كما الشَّريطِ تَساؤُلي
لِمَ أصْبَحَتْ مثْلَ السَّراب حكايَتي
عجبًا بِكلِّ صراحَةٍ لا أفْهَمُ
لِمَ بَعْدَ هذا الْعٌمْرِ لا أتَعَلَّمُ
قَدْ خُضْتُ في ساحِ الْكِفاحِ مَعارِكًا
وَوَقَفْتُ وِقْفَةَ مارِدٍ لا يُهْزَمُ
مِنْ أجْلِ شعْبي والْعَدالَةِ ثائِرُ
قلمي سلاحي للْقَضِيَّةِ ناصِرُ
فقصيدتي ومشاعِري وَشَجاعَتي
سيْفي الَّذي عِنْدَ الشَّدائِدَ باتِرُ
لَمْ أخْشَ يوْمًا طاغِيًا مُتَجَبِّرا
حتى أرى شعْبِي الْحبيبَ تَحَرِّرا
إنّي وَإن طالَ الظّلامُ مُرابِطٌ
ما كُنْتُ إلّا في الحِمى مُتَجَذِّرا
فَعلى فؤادِيَ لا غرامَ تَرَبَّعا
حتى وَلا عشْقانِ جِدُّ تنازَعا
حتى رأيْتُ عيونَها ولِسِحْرِها
لَمْ أدرِ قدْ يأتي الجمالُ مُقَنَّعا
مَسَحَتْ بِعَيْنَيْها جِراحَ قَصائِدي
فجِراحُها كَجِراحِ أيِّ مُجاهِدِ
فَأنا هنا في غُرْبَةٍ لا تنتَهي
وَكَذا الْمٌجاهِدُ ذو النِّضالِ الْخالِدِ
قدْ كانَ قلبي ساذِجًا فَتَرَنَّما
وبلا إرادَتِهِ غدا مُتَوَهِّما
وَيَظُنُّ أنَّ الْحُبَّ حقًا نِعْمَةٌ
فَتَمَهّلوا في اللَّوْمِ كُنتُ مُتَيَّما
معْ أنَّني مِنْ قَبْلُ كُنتُ مُنَعّما
متفائِلًا وَمَعِ الْوَرى مُتَناغِما
ما كُنْتُ يوْمًا لِلْمَضارِبِ ذاهِبًا
أوْ حولَ بيْتٍ للْحبيبَةِ هائما
غجَرِيَّتي في السوقِ كانتْ ترْفُلُ
وَعلى نساء السوقِ كانتْ تُقْبِلُ
وَلَعلَّ بَعْضَ الْبائِعاتِ عَرِفْنَها
أوْ رُبَّما وَقَفتْ هنالِكَ تَسْألُ
أمّا أنا فَوَجَدْتُني مُتَرَدِّدا
معْ أنَّ ما بينَ الضُّلوعِ تَمَرَّدا
ما كُنتُ يوْمًا في الْهوى مُتَسَرِّعًا
بلْ عِشْتُ في بيْتِ الْهوى مُتَعَبِّدا
وَأنا أُرَدِّدُ ما عساني أفْعَلُ
إنْ فجْأَةً سَمِعَتْ فُؤادِيَ يَسْألُ
وَحَقيقَةً لَمَحتْ وُجودي خلفَها
فَإذا بَقلْبي للْإِلهِ يُهلِّلُ
وَلَعلَّها شعَرتْ بما في خاطِري
وَبِما يَجولُ بِمُهْجَتي ومَشاعِري
فإذا بِها تأتي وقلبي يَرجِفُ
كفراشَةٍ خرجتْ بِجَوٍّ ماطِر
سَلَبَتْ حياتي قبل قلبي الساذِجِ
وهِيَ الَّتي خَبِرَتْ شؤونَ الخارِجِ
وتواضُعًا خَبِرَتْ حقيقَةَ بَعْضِها
فَأَنا جَهِلْتُ هوًى كبَحْرٍ هائِجِ
وَجمالُهُا حَقًا عجيبٌ أمْرُهُ
وبلا مُبالَغَةٍ غريبٌ سِرُّهُ
وَلِأَنَّها قَبِلَتْ جميلًا دعْوتي
غَمَرَ الفُؤادَ سنا الْحَديثِ وَسِحْرُهُ
أحْسَسْتُ أنّي أستطيعُ لِقاءَها
وبِدونِ خدْشي حُسْنَها وَحَياءَها
كمْ كُنْتُ أرجو أن تَدومَ علاقَتي
فَأنا بِها شَغِفٌ أخافُ جفاءَها
قدْ يطْلُبُ الإنْسانُ حُبَّ حياتِهِ
وَيَظَلُّ يبْحَثُ عنْ مُكَمِّلِ ذاتِهِ
وَبِدونِ جدْوى تنْقَضي أيّامُهُ
فَهَلِ الْغرامُ يعودُ بعدَ وَفاتِهِ؟
أمّا النَّقيضُ لِذلكَ الْمُسْتَعْجِلِ
فَهُوَ الْخَلِيُّ وَليْسَ في الْمُسْتَقْبَلِ
لكنّهُ وبِلا انْتِظارٍ مُسْبَقٍ
قد يلتقي حبّأ كنبتَةِ حَنْظَلِ
وتَكَرَّرتْ لِسعادتي جلساتنا
نظراتُنا ضَحِكاتُنا هَمساتُنا
وشَعَرْتُ عادتْ لي الحياةُ مُجَدَّدا
وَغَدتْ بلا خجلٍ كذا لَمَساتُنا
وَبِدونِ أنْ أدري تَوَقّفَ وَصْلُها
وَكَأنَّ دنُيانا تزامَنَ محْلُها
وأنا مِنَ الْبَحْثِ الطَّويل عَنِ السَّبَبْ
ما عُدْتُ أعْرِفُ شَمْسُنا ما شكْلُها
وَتَتابَعتْ أيّامُ عُمْري بَعْدها
وأنا أصونُ بلا انْقِطاعٍ وُدَّها
قالوا اخْرُجَنَّ بِرِحْلَةٍ وَلِفَتْرَةٍ
إذْ في الطبيعّةِ ما يُخّفِفُ بُعْدَها
عجَبًا خَرَجْتُ إلى الجمالِ الْمُطْلَقِ
حيْثُ الطّبيعَةُ تحْتَفي بالرَّوْنَقِ
عفوًا وَعُذْرًا أصْدِقاءَ طفولَتي
لا شيءَ مِنْ قيْدِ الْجَميلَةِ مُعْتِقي
د. أسامه مصاروه