مفاتيح النور
خليلي هل في الكون سر مستر
يناجي عقول الناس نحو التبصر
وقفت بباب الدهر أرنو لحكمة
وأبحث عن سر الوجود المدبر
رأيت نجوم الليل تروي حكاية
بأن سبيل العلم درب المنور
ورأيت شمس الحق تبدل نورها
فتهدي ضياء الدرب المتبصر
ورأيت نهر الفكر يجري هادئا
يشق صخور اليأس رغم العواثر
وفي البذر سر لا تراه عيوننا
يخبئ تحت وجه الثرى الغابر
يوارى بعمق الأرض ثم يعيده
ربيع من الٱمال بعد التعثر
ورأيت نحل الروض يبني نظامه
بجد دقيق لا بصوت المفاخر
ورأيت طير الجو يفتح أفقه
ويشق وجه الريح رغم المخاطر
ورأيت جبلا شامخا في صمته
يعلم أهل العزم صبر الأكابر
فما بلغ العلياء إلا بجذره
تعمق في الأعماق رسخ الجذور
ورأيت سفن الدهر تمضي ببحرها
وتسأل أهل العزم؛ أين الشراع؟
فقوم بنوا بفكرهم ألف أشرعة
فصاروا نجوما في طريق المفاخر
وقوم أقاموا عند شط بحارهم
يراقبهم موج الزمان العواثر
فما البحر يمنح من يظل مكانه
ولا الدهر يبقي غافلا غير ناصر
ورأيت نار الحد في كف صانع
تحول صخر الأرض درب المفاخر
فما الٱلة الصماء تبلغ غاية
إذا غاب عنها عقل حر مدبر
فجسم الحضارات الٱلٱت وإنما
وروح المعاني فكر عقل مبتكر
وكم من صروح في الحياة تشيدت
ولكن بغير علم تبقى كصور
وكم من كنوز في الثرى قد أودعت
فما أثمرت إلا بعقل مدبر
وقفت أمام الدهر أسأل صمته
فجاء جوابه من صدى المتفكر
وقال؛ عظيم القوم ليس بماله
ولكن بعقل للمعالي مشمر
وكم ديار زانها طول عمرها
ولكن حبا فيها ضياء البصائر
وكم من أناس ضاق عيش ديارهم
فشادوا من الٱمال صرح المفاخر
ليس الغني إلا غنى الفكر والحجى
وليس الثرى بكثرة الجواهر
ورأيت طفلا فوق درب طريقه
يخط غدا بالعلم بين الدفاتر
فعلمت أن المجد ببدأ فكرة
وأن صروح العز صنع البصائر
وسألت شيخ النور عن سر العلا
أفي العلم باب خلف ستر يحجب ؟
فقال؛ يا من رام كشف غوامض
خذ الجد زاد السائر المتبصر
فما حجبت شمس العلوم عن الورى
ولكن تراها عين قلب مبصر
وبحر المعارف لا ينال بغير ما
يهيئه عزم وصبر مثابر
وكم من فقير في الحياة تألقت
له في سماء الفكر أنوار كوكب
فمفتاح هذا الكون عقل مجاهد
وسعي يبدد ظلمة المتحجر
ومن يزرع الإنسان علما وعزمه
ويحصد غدا مجدا عظيم المٱثر
وعدت من سفر الزمان كأنني
أحمل سر النور بين دفاتري
فرأيت أن الفجر يسكن داخلا
قبل الشموس وخلف كل ستائر
فإن الشعوب إذا أضاءت عقولها
غدت في سماء المجد مثل المنائر
وهذا ختام البحث في سر نهضة
بدأت بسؤال الكون وانتهت بالنور
محمد علي باني / تونس