( نور الهدى )
أداعبُ نسمات الخيال لتنطقا
ويهمسُ ما هبَّت فؤاديَ مُطرِقا
وأترِعُ كأسَ الحلمِ أبغي يقينَهُ
وأرسمُها روضاً ندياً ومورِقا
ولي من عِنادي ما تلَظَّى تشوُّقاً
شديد مراسٍ ما شدَدتُه أقلَقا
يقولون صبراً دمعةَ الشَّوقِ والندى
فيا ليتَها صانَت على العهدِ موثِقا
ولي في ثناياها عذاباتُ علَّةٍ
تهادَى على موجِ الطويلِ مُنمَّقا
فأرقبُها وهي اليتيمةُ في المدى
إلى حيثُ نورُ الله شمساً لتشرِقا
وأحنو على الصفحاتِ ما سامَني الهوى
خيالاً أراهُ بالجمالِ تأنَّقا
فقد هالَني منهُ جميلُ خِصالهِ
وحلَّقَ روحي في مداهُ مُصَفِّقا
أخطُّ رسالاتي مِداديَ من ندى
وأبدي الهوى مما رجوتُ ليُورقا
فيزهِر روضٌ من نوارٍ وفُلَّةٍ
يمدُّ ذراعيه إلى الكونُ مُغدِقا
فسعدى لأرضٍ قد وطأتَ تعطَّرَت
أيا مَن تجلّى فيهِ ذا الأفقُ شيِّقا
فجُمِّعتَ فرداً كي تقبِّلَ كفَّهُ
فيوضاتُ ربِّ العرشِ ما شاءَ وانتقى
تحفّكَ ما تخطو بكلِّ كريمةٍ
تباريحُ حبٍ من إلهٍ ترفّقا
فرُحتَ تشيعُ الحبَّ قد خالطَ المنى
كأنّ نسيماً من جَنانٍ تَموسَقا
ولا زلتَ تمضي ما تشاءُ لك العُلا
بكلِّ فجاجِ الأرضِ نوراً ومنطقا
فنرجو وما ضاعَ الرجاءُ لوهلةٍ
كأنْ لمْ نذقْ شرباً يعينُ على البقا
ومثلُكَ نبعٌ كم يفيضُ رقيقهُ
تؤمُّهُ طلابُ الهدى حيث تستقى
وأنتَ من الرحمن سِفرٌ وآيةٌ
وأنت عمادُ الحقِّ نؤتيه موثقا
فكم للهوى مما تقولُ منازلٌ
وتلهِمهُ من روحِ وحيكَ منطقا
أيا جنة كرِّمتِ في خير مُرسَلٍ
به تزدهي أنى أناخَ ترفَّقا
كأنّ حمامات الجنانِ تسابقت
إليكَ على ما فيك يبدو من النقا
وتشدو بموّال على نغمِ النوى
فيصطفقُ الجنحان منها لتسبقا
أصوفيَّ حبِّ صار يسألُني المدى
وذا فيكَ جمرٌ لا يزالُ محرِّقا
وفي إثرها خطوي يغازلُ لهفتي
على رسلِها تحبو لتركبَ زورَقا
يحفُّهُ من فيضِ الخيالِ وسحرهِ
وقلبي على التهيامِ أشجى وحلَّقا
مآلُ الألى أخلفتَ فيهم هدايةً
جنانٌ لمن أمضى الحياةَ مصدِّقا
ومن لم يعِشها في اتّباعٍ لسُنّةٍ
صبوراً فقد أبلى حروفاً ومنطقا
ويلغبُ ما أفضى ويكتبُ ما اعترى
ويخبرُ عمن لو رآهُ لأشفقا
فحسبيَ طيفٌ حين ذكرِك ألتقي
ومزهوةٌ أحلامُ عمري إلى اللقا
وكيف ومنّي الحالُ بعدكَ أدبرَت
وكلّ قفاري حين ذكركَ أورقا
ويا خيرَ من زانَ المدى بهدايةٍ
وخبَّرَ عمّا قد نراهُ مُحققا
لَتأتيكَ طوعاً ما حييتُ رويحتي
وتحتَ جفوني أوقظُ الحُلم مُشرِقا
سلكناهُ درب العاشقينَ تصوفاً
من الله نبعاً حيثُ شاءَ ترقرقا
فيا دهشةَ العينينِ والقلبِ والرؤى
أما زالَ فينا من تحيَّرَ مُطرِقا
--------