recent
أخبار ساخنة

مرثية إلى محمد السرغيني... للأستاذ. عبد السلام فزازي




مرثية إلى محمد السرغيني...

هذا الصباح،
لم يمت شاعرٌ فقط،
بل انطفأت نافذةٌ أخرى
من نوافذ الشعر المغربي،
وسقطت من شجرة القصيدة
ثمرةٌ ناضجة
كانت تحمل في داخلها
رائحةَ زمنٍ لن يعود.
هذا الصباح
غادرنا محمد السرغيني،
صاحبُ «من فعل هذا بجماجمكم»،
وكأن العنوان الذي تركه لنا
كان يعرف، قبلنا،
أن الموت ليس وحده
من يطارد الشعراء،
وأن القصيدة نفسها
قد تُدفن ذات يوم
في مقبرة النسيان.
يا محمد؛ يا أبا اللغات كما اعتدنا على تسميتك...
كيف أكتب إليك
وأنت الذي كنتَ تكتب
كي لا يموت الكلام؟
كيف أرثيك
وأنت من أولئك الذين
كانوا يجعلون من القصيدة
بيتاً للروح،
ومن اللغة
وطناً لا يحتاج إلى حدود؟
لقد كنتَ واحداً
من آخر الذين ودّعوا الحياة
من رواد الشعر العربي والمغربي؛
واحداً من جيلٍ
لم يكن الشعر عنده زينةً
ولا منصةً للظهور،
ولا جائزةً معلقةً
على جدار العلاقات،
بل كان
امتحاناً للوجود،
ومغامرةً في اللغة،
وارتجافاً عميقاً
في جسد الإنسان.
رحل السرغيني...
فتلفتَ الشعراء
كأنهم فقدوا شيخاً
لم يكن يحتاج إلى عمامة،
وأحسّت القصيدة
أن أحد أبوابها الكبرى
قد أُغلق.
رحل،
وبقي السؤال الذي حمله ديوانه
كجرحٍ مفتوح:
من فعل هذا بجماجمكم؟
لكنني اليوم
أريد أن أقلب السؤال:
من فعل هذا بالشعر؟
من فعل هذا
بذلك الشعر الذي كان
يُربك السلطة،
ويوقظ الذاكرة،
ويمنح اللغة
قدرتها على العصيان؟
من فعل هذا
بالشاعر الذي كان
يمشي إلى القصيدة
كما يمشي الناس إلى الحقيقة،
خائفاً منها
ومفتوناً بها
في الوقت نفسه؟
من فعل هذا
بجيلٍ كان يرى
أن الكتاب مسؤولية،
وأن القصيدة ليست صورةً
للتفاخر،
بل أثرٌ يبقى
بعد أن يرحل صاحبها؟
يا محمد...
لقد جاء زمنٌ
صار فيه الشاعر
يحتاج إلى أن يصرخ
كي يُسمع،
وإلى أن يشرح نفسه
كي يُقرأ،
وإلى أن يطارد المنابر
كي لا يُدفن حياً
في زحام التفاهة.
لكنكم كنتم هناك...
أنتم الذين جعلتم
للشعر هيبة،
وللكلمة مقاماً،
وللصمت معنى.
أنتم الذين عرفتم
أن القصيدة لا تُكتب
بالحبر وحده،
بل بالعمر،
بالخسارات،
بالأسئلة،
بالوحدة،
وبذلك النزف الجميل
الذي لا يراه أحد
حين يولد النص.
واليوم
وأنت تغادر،
أشعر أن جنازتك
ليست جنازة رجلٍ واحد.
إنها جنازة
جزء من ذاكرتنا الشعرية.
جنازة جيلٍ
كان يكتب لأن لديه
ما يقوله،
لا لأن لديه
منصةً يريد أن يصعد إليها.
جنازة زمنٍ
كانت فيه القصيدة
تولد من المعاناة
قبل أن تولد من الورق.
يا محمد السرغيني...
نم هادئاً.
لقد أدّيتَ ما عليك
للشعر،
وتركتَ وراءك
ما يكفي من الكلمات
كي نتذكرك.
أما نحن،
فسنظل واقفين
أمام باب القصيدة،
نسأل الذين سبقونا:
أين ذهبتم؟
ومن سيحمل بعدكم
هذه اللغة الثقيلة
بكل ما فيها
من ذاكرة ووجع ونور؟
وسنظل نقرأ عنوانك
كأنه نبوءة:
«من فعل هذا بجماجمكم؟»
ثم نضيف،
بمرارة هذا الصباح:
من فعل هذا بالشعر؟
من فعل هذا بالقصيدة؟
من فعل هذا بالذاكرة؟
نم يا محمد...
فالموت،
حين يأتي إلى شاعرٍ كبير،
لا يأخذه كله.
يأخذ الجسد فقط.
أما الشعر
فلا يموت.
يبقى في الكتب،
وفي ذاكرة الذين قرؤوه،
وفي أصوات الذين سيأتون بعدنا
ولا يعرفون ربما
أنهم يمشون فوق الطريق
الذي عبدتموه لهم
بالقصيدة والدم والانتظار.
رحلتَ اليوم...
لكن الذين مثلك
لا يغادرون تماماً.
إنهم يتحولون
إلى سطرٍ في كتاب،
إلى بيتٍ في قصيدة،
إلى ظلٍّ على جدار الذاكرة،
وإلى سؤالٍ لا يجد جواباً.
ولذلك،
لن أقول لك:
وداعاً.
سأقول فقط:
إلى القصيدة، يا محمد...
فثمّة، في الجهة الأخرى من اللغة،
موعدٌ آخر لا يعرفه الموت..

عبد السلام فزازي؛ طالب هذا الرجل الذي علمنا؛ وترك فينا وصية كتبت على صلصال الأزل..
google-playkhamsatmostaqltradent