recent
أخبار ساخنة

ارتح قليلاً يا قلمي...... للدكتور. عبدالسلام فزازي

ارتح قليلاً يا قلمي...

ارتح قليلاً يا قلمي،
أما تعبتَ من التعب؟
أما سئمتَ ملاحقة المعنى
في زمنٍ يبيع المعنى
ويشتري الضجيج؟
ارتح...

فما عاد في صدري متّسعٌ
لخيبةٍ جديدة،
ولا في يدي ما يكفي
لترميم هذا العالم
كلما تصدّع في قصيدة.
ارتح قليلاً...

فأنا لم أعد ذاك الذي
كان يخبّئ في الحروف نافذة،
ويظنّ أن الضوء
يمكن أن يتسلّل من ثقب الكلام.

لقد كتبتُ كثيراً
حتى صارت أصابعي
مقبرةً صغيرةً للأحلام،
وطرقتُ أبواباً
كان الصمت خلفها
أكثر بلاغةً من الإجابات.

كتبتُ للذين لا يسمعون،
وصرختُ في وجه الذين
أتقنوا الإصغاء إلى مصالحهم،
ومددتُ قلبي جسراً
فعبروا فوقه
ثم تركوه معلّقاً
بين ضفّتين من النسيان.
فارتَحْ...

دعني هذه المرة
أجلس إلى جوار حزني
دون أن أستجوبه،
وأصغي إلى روحي
دون أن أطالبها
بقصيدةٍ تبرّر هذا النزيف.
تعبتُ من كوني شاهداً
على ما لا أستطيع تغييره،
ومن كوني سؤالاً
في زمنٍ يخاف الأسئلة،
ومن حمل الحقيقة
كأنها خطيئة
تستوجب اعتذار صاحبها.

يا قلمي،
كم مرةٍ أنقذتَني بالكلمات،
وكم مرةٍ تركتَني
وجهاً لوجهٍ مع نفسي؟
وكم مرةٍ حسبتُ أنني أكتب
لأغيّر العالم،
فإذا بي أكتب
كي لا يغيّرني العالم
إلى نسخةٍ منه؟
لكنني اليوم
لا أريد أن أكون بطلاً،
ولا نبيّاً للكلمات،
ولا جرحاً مفتوحاً
في جسد هذا الزمن.

أريد فقط
أن أكون إنساناً عادياً،
أن أخطئ دون أن أكتب اعتذاراً،
وأن أحزن دون أن أحوّل حزني
إلى نصٍّ صالحٍ للنشر،
وأن أضحك
دون أن أفتّش في ضحكتي
عن مأساةٍ مؤجّلة.

أريد أن أنام
دون أن توقظني فكرة،
وأن أستيقظ
دون أن يسألني العالم:
ماذا كتبتَ لنا اليوم؟
فليس كل صمتٍ عجزاً،
وليس كل ابتعادٍ هزيمة،
وليس على الروح
أن تظلّ واقفةً في العراء
كي تثبت للآخرين
أنها لم تمت.

ارتح يا قلمي...
فلعلّ في الراحة
ما لا تمنحه المعارك،
ولعلّ في الصمت
ما تعجز عنه ألف قصيدة،
ولعلّ الذات
حين تكفّ عن مطاردة نفسها
تجد الطريق
الذي أضاعته في الركض.
سأغلق دفتري قليلاً،
وأترك للريح
أن تقرأ ما تبقّى مني،
وللأيام
أن تفعل بي ما تشاء،
ولقلبي أن يستريح
من واجب النجاة.
فأنا أيضاً
تعبتُ من إنقاذ نفسي
كلما أوشكتُ أن أعيش.

ارتح قليلاً يا قلمي...
لن نخون الحقيقة
إذا صمتنا،
ولن نخسر العالم
إذا تركناه يدور
دون أن نصلح دورانه.
نمْ...
فغداً،
إن بقي في الروح متّسعٌ للضوء،
وإن عادت إلى القلب
رغبةٌ صغيرةٌ في الحياة،
سنكتب من جديد.
لا لننقذ العالم هذه المرة،
ولا لنوقظ الذين اختاروا سباتهم،
بل لنمدّ أيدينا
إلى ذلك الإنسان
الذي أهملناه طويلاً...
إلى أنفسنا.

ولعلّ أجمل قصيدة
ليست تلك التي نكتبها
حين نكون قادرين على الكلام،
بل تلك التي ننجو بها
حين نقرّر أخيراً
أن نكفّ عن النزيف.

ارتح قليلاً يا قلمي...
فأنا لا أريد قصيدةً أخرى
تخلّد تعبي،
أريد حياةً صغيرةً
لا أحتاج فيها
إلى كتابة قصيدة
كي أحتملها...
د.عبدالسلام فزازي
google-playkhamsatmostaqltradent