recent
أخبار ساخنة

امرأة المطر ..... للدكتور. بهاء محمد عابد

امرأة المطر
​يا امرأةً.. تأتي مع الرعدِ..
وتغسل وجه عواصفنا بطهرِ الندى والوجدِ..
كيف استطعتِ، بلا إذنٍ،
أن تدخلي قفصي الصدري،
وتصيري ربيعَ البلدي؟
أنا رجلٌ.. ماتت لغتهُ منذ قرونٍ..
حتى قبّلتِ يدي!
​يا امرأةً.. من ماءٍ طهورٍ، ومن ضوءٍ شقيّْ
تتكسر في كفيَّ.. كنهرٍ جرحتهُ السكّينْ
أيتها الخارجةُ الآن من الغيماتِ..
تختبرين صبري الحزينْ..
أنا ما عرفتُ الشتاءَ قبل عينيكِ..
ولا رقصتْ في دمي الشرايينْ
​تلمسين دفتري.. فتشتعل الكلماتُ..
وتصيحُ على شفاهي الأغنياتُ..
كيف، بربكِ، هطلتِ فجأةً فوق صحار اليأس؟
وصرتِ طقساً تتعبّد في محرابهِ الجهاتُ؟
​يا امرأةً.. تلبس معطفها العشبيّ..
وتأتي على صهوة ريحٍ رقيقهْ
كوني طوفاني.. كوني رعدي الذي أهواهْ
فما عاد يغريني السكون..
ولا أبجدياتُ السليقهْ
سأهبُكِ عمري.. شاطئاً..
وموانئَ خضراءَ.. ومفتاحَ الحقيقةْ!
​يا امرأةً.. تأتي على نغمِ القطرِ..
وتتركُ خلفها وجعاً خرافياً يُعلّمني البكاءَ على صدري!
كيف التقيتِ بي في زحمةِ التاريخِ والأيامْ؟
وأنا الذي ما كنتُ أؤمنُ بالسلامْ..
حتى رأيتُ بريق عينيكِ يبددُ عتمةَ الأوهامْ!
​خذيني.. كقطرةِ ماءٍ تتوه في نهرِ..
أو كشمسٍ تشرق بعد الطوفانْ..
أنا متعبٌ من صمتي الطويلِ ومن حرفي الحيرانْ..
ولا أريجَ يطيب لي سوى عطرِكِ الفواحِ في الزمانْ!
​تنمو طفولتُنا على صمت الشفاهْ..
ويزهرُ الرمانْ في كفّكِ المعطرةِ بالندى والياسمينْ..
يا أيتها الأنثى التي جاءت لتوقظ الحنينْ..
تكسري في داخلي كغيمةٍ خجلى..
فما عادت تطربني إلا صواعقكِ التي لا ترحمُ السنينْ!
​يا امرأةً.. إذا مشت، مشى خلفها الرعدُ..
وتفتحت في وجهها المدنُ وانفضّت غيومُ الجهدِ!
أنا ما عرفتُ قبل عينيكِ كيف يغني المطرُ..
ولا كيف تشتعل الجمارُ على جمرِ..
فكوني أنتِ خريفي.. وكوني صيفي..
وكوني أنتِ القدرَ الذي ما منه مفرُّ!
​تعالي.. نغسلُ أرواحنا من غبارِ السنينْ..
ونبني من الشوقِ بيتاً لا تعرفه الريحُ ولا يطاله الحنينْ..
تعلّمي مني كيف يكون الجنونْ..
وكيف يغرد العصفورُ إذا التقى بالسكونْ!
​ويا امرأةً.. طبعت على جبهة الغيمِ أسرارها..
إن غبتِ.. فمن يمنح الليلَ أبحارهُ؟
ومن يوقظ النجمَ في ليلنا المرتجفْ؟
ابقي هنا قرب نبضي..
فما عاد قلبي يحتمل المطرَ..
ولا يحتمل الصدفْ!

الشاعر والأديب الدكتور بهاء محمد عابد
google-playkhamsatmostaqltradent