بوحُ المُنكسِر
بديع عاصم الزمان
إذا ضاقَ الفُؤادُ، ففيهِ ربِّي
يُجيبُ إذا دعَوتُ، برَحمةِ القَبْلِ
بكيتُ، فكلُّ دمعي كانَ نِعمى
شهادةَ منكسِرٍ لعزِّ ذي الفضلِ
سجنتُ حياتي، والذنوبُ قُيودي
وما فِدْيَتْي سوى اعترافي بالبَذلِ
خوفي تمادى، وانطوى قلبي على
وَجَعٍ يُناجي في الدُجى صَوتَ الأذَلِّ
ناديتُ والأصواتُ ردّت لهجتي
لم أستطع كشفَ المُرادِ ولا الجُملِ
قلمي أتيتُ به، مدادُ الروحِ فيه
لكنْ وجدتُ الحبرَ ضلَّ عن المَحلِّ
كأنّي قد خرستُ، وكلُّ حرفٍ
يرتجُّ، إلاّ الدّعاءُ بهِ أُجلِّي
يا ربّ هذا البوحُ صدقُ مواجعي
أنتَ الملاذُ إذا تَوارى كلُّ سِهلِ
ما زالَ في قلبي الرّضا، رغمَ الذي
عصفَ الوجودَ، وضاقَ رزقِي والمُقلِّ
فقدتُ بهجةَ عيشتي، وضاعَ منّي
سعيُ السنينِ، وماتَ غرسٌ لم يَكِلِّ
لكنْ بقِيَتْ ذكرى رحيمِك نورَها
تَروي كَبدًا في ظلامٍ لم يَزَلِّ
حَمَلتُ الحزنَ، والدّموعُ تُكابرُ
تَأبَى الفرارَ، وتَستقيمُ على الوجَلِ
يموجُ موجُ البُكاءِ في أجفانيَ
لكنّهُ ما بَلّ طرفًا بالهُطُلِ
حُزنٌ وخوفٌ قد أرادا سَكَنِي
فلم يَجِدا سوى توحيدِي المُكْمِلِ
أضمنْ، بأنّكَ لا شريكَ لوجهِكَ
أنتَ الرجاءُ، وأنتَ للقلقِ الأجلِّ
أُكِلَتْ حقوقي، وامتلأَ العقلُ الأسى
لكنْ رضيتُ، فذاكَ زادي والمُقَلِّ
قنِعتُ بما أعطيتني، وتَركتُ ما
سُلِبَتْ، فحكمُك في القضاءِ هوَ العَدَلِ
أنتظرُ حُكمَكَ، واليقينُ إذا أتى
سلَّمتُ قلبي دونَ ضيقٍ أو خَلَلِ
وعصيتُ دمعَ العينِ أن يُغري المدى
لكنّهُ يأبى الفناءَ على المَهَلِ
صامتْ جفوني عن شهيقِ بُكائها
لكنْ تُفيضُ بحيرتي نحوَ الأزلِ
تشهدْ على ذاتي، على صبرٍ بدا
وتَستكينُ لِما جَرَتْهُ من الأجلِ
فالموتُ يأتي، لا فرارَ من المدى
لكنّني أنتظرْ، بِسِلمٍ لا خَجَلِ