صرخة الحلم
بديع عاصم الزمان
من الألِّ إلى المآلِ بلا جدالْ
يتحول الحكمُ من حالٍ إلى أحوالْ
كأنّ الزمانَ مرآةٌ في انجلاءٍ
تعكس السرَّ المدفونَ في الترحالْ
تتهاوى عروشٌ ما لها على الأرضِ صوتٌ
ويذوب وصلُ الناسِ في كل الأهوالْ
تُبعث وعودٌ لا تريق دمًا ولكنْ
تنسى العهودَ كأنها الأظلالْ
وتعلو على الترابِ أفواهٌ تنادي
بالنبوءَةِ وهي محضُ مستحالْ
وكلُّ مجددٍ في الظن يسري
يبيع نورَ اليقينِ بالافتراءِ والضلالْ
على مسرح الأحداث جاءت فتنةٌ
تمشي كظلِّ الليل في إدلالْ
تغوي العقولَ وتسفك الأرواحَ في
ظلماتها والعدلُ فيها زالْ
هذا العراقُ هوى فمزق قلبهُ
شهبُ الخداع وأُخوةُ الأنذالْ
والشامُ تعزفُ فوقها نارُ الرّدى
فتدور راياتٌ بلا أفيالْ
رايات سوءٍ من شقاقٍ قادمٍ
تخفي الخرابَ وتظهر الأقوالْ
كثر الدعاةُ إلى الهدى فإذا بهمْ
غشُّ التديّنِ خديعة الأشكالْ
قامت قريشٌ ثم خذلانٌ جرى
وسقطت رايةُ الجور بانفصالْ
وتحرّكت أرضُ الخليل بدمعها
تشكو المذابح والفدى والآلْ
والغرب يبشرنا بصلحٍ زائفٍ
والغافلون تُصيبهم أغلالْ
لكنها الآيات تُومض في الدجى
وتلوح في أعماقنا آمالْ
ويجيء نجمٌ باليقين مبشرًا
يمشي بنور الحق والإفضالْ
لا يبتغي زهوًا ولا يخشى الورى
لكنّه العدل الجليل الوَالْ
يقيم ميزان الهدى في فتنةٍ
كقطع ليل دامسٍ وجلالْ
فاستمسكوا بالحق فهو نجاتكم
في زمن تضطرب فيه الأفعالْ
قبل الحرف كان البيان سرًّا
خيرٌ ينزل في دُجى فكري سنًا
كأنه ضوء من فجرٍ قد تجلّى
وسلامه نسيم الروح يُلهمُ
ينساب من خلجات الفؤاد كشذا
قبل التراب وقبل نفخ الطينْ
كانت الأفكار نسائم تنسج وجدانًا
عقدَ الوئام في الفجر من يرحمُ
والكون يشهد سر السمو والاحتمالِ
في الحلم لحن النور يرسم صورتي
فأضاء جبين الفكر وأعاد الزمانْ
والله يلقيني المعاني ويعلمُ
كأن الخطوط في لوح السماء تُنجّمُ
علّمت الأسماء يا سر السما
فكل حرف ينطق به الروح تمامًا
وكأن عتبتنا ارتقت سلمتها
وترنم عندها الصمت والحلم والندى
فرأيت ربي واسعًا في قربه
كأنه أفق اللانهاية لا يُحد ولا يُحصى
شمس وقمر يجريان بقسطهم
يسيران على أوتار العدل دون انفصام
والميزان نبض العدل فيمن يرحمُ
هو إيقاع الكون ووصل كفّ الكرام
فاكهة الأكمام ضاحكة الرّبا
كأنها جواهر الروح في عرس الأزمان
وكنت أنت الحرف في لوح الجمال
ينطقك مولانا بفيض لا يُقاس ولا يُنال
علّمت قلبي كيف يصغي ساجدًا
كيف الشهود دعاء من لسان بلا محال
.