الجنُّ في الوعاء
لا يزال الماضي قاطعًا
طريقًا همجيًّا
يتجوّل في كلِّ
رأسي، ويُطلق
رصاصَ الذكريات
من مسدسه الصوتي.
لذلك الآن لا أشتغلُ
بشيء، رغم أنّني كنتُ
تاجرًا في الخُردة؛
أشتري أوعيةَ
حفظِ الألبان
الرخيصة، أُسنفرها،
ثم أُلمّعها وأطليها
لتصلحَ مرّةً أخرى
للاستخدام الآدمي.
وفي أحدِ الأيام،
بلا حذر، اشتريتُ
هذا الوعاءَ الحراري،
وكان شديدَ الصدأ،
متداولًا، مستعملًا،
مستخدَمًا، ومسخَّنًا
منذ ربعِ قرنٍ فلكي.
ولاحظتُ أنّني،
وقتما أردتُ
صبَّ اللبنِ في الوعاء،
أجده ممتلئًا لآخره،
فأحتار:
من الذي يعبّئ
عبوته بحليبٍ غيرِ
الحليبِ الذي لديّ؟
وسألتُ مَن باعني
الوعاء، فأخبرني
بأنّه ربما يسكنه
الجنّ، أو ربّما
هذا الظنُّ يُهيَّأ إليَّ.
فما كان منّي غيرُ أنّني
قطعتُ قُلْفَةَ الشكِّ
بحزّةِ اليقين،
وألقيتُ بهذا الوعاء
في صفيحةِ المهملات،
وقلت: الأوعيةُ كثيرة،
ومنها المُزيَّنُ بالحُليّ،
وقلت تبًّا،
لوعاء الجن المستعمل؛
كاد يُصيبني بالجنون،
بل كاد يُحطّم مستقبلي.
حمدي عبد العليم