حكايةُ الراعي سليم
أتانا ربيعٌ ذاتَ عامٍ مُميَّزا
بكلِّ مزايا الحُسْنِ كانَ مُجهّزا
فبالوردِ والأزهارِ الأرضَ طرّزا
وحتى المراعي بالنباتاتِ عزَّزا
نسيمُ الصَبا بالعطرِ قد غمرَ المدى
ومالَ على الأزهارِ يقْطُرُ بالندى
فهَبَّ سليمٌ باسمَ الثغْرِ منشِدا
يقودُ إلى المرعى قطيعًا تعدّدا
تعالى ثغاءُ الجائعينَ من الخرافْ
ورائحةُ الأعشاب هيّجتِ الضِعافْ
ولكنَّهم ساروا كما الجُندِ باصطِفافْ
بدونِ خروجٍ عنْ صُفوفٍ أوِ انْعِطافْ
خرافٌ وأبقارٌ تسيرُ إلى السُهولْ
بكلِّ انضِباطٍ وشوقٍ إلى الحقولْ
ووادِ تعافى مِنْ مُقارَعةِ السُيولْ
كما اسْتيْقظتْ أزهارُهُ منْ رحى الذبولْ
وكانَ سليمٌ حينذاكَ بلا وجلْ
فسارَ بطيئًا حالمًا دونما كسلْ
ولكنْ رفاقُ الدربِ كانوا على عجلْ
فرائحةُ البرسيمِ تدْفعُ للعملْ
لذا لمْ يجدْ بدًا من السيرِ مُسرِعا
وليسَ لأنَّ الحشْدَ كانَ مشجِّعا
ولكنْ لكيْ يختارَ للحشْدِ موقِعا
يكونُ مُريحًا بل قريبًا وَنافِعا
تسابقتِ الأغنامُ شوقًا إلى الغديرْ
وغارَتْ كذا الأبقارُ فانطلَقَ المسيرْ
فهلْ سمِعتْ أنعامُهُ نَغَمَ الخريرْ
لِتُسْرِعَ شوْقًا قبلَ عاصفةِ المصيرْ
بدا اليومُ منذُ البدءِ بالنورِ مشرِقا
والسيرُ قربَ الماءِ أيضًا مُشوِّقا
فأنتَ ترى حشدَ الطيورِ مصفِقا
كأنَّ نسيمَ الصُبحِ كانَ مُعتَّقا
هناكَ ترى كلَّ الطبيعةِ في حُبورْ
بدونِ اضطهادٍ أو مَفاسدَ أو غرور
بدونِ نفاقٍ للزّعاماتِ في القصورْ
هناكَ ترى الدنيا بأجنحةِ الطيورْ
وقبْلَ غُروبِ الشمسِ عادَ معِ القطيعْ
بقلبٍ سعيدٍ شاكرٍ كرَمَ السميعْ
توقَّفَ مشدوهًا إذِ اخْتَبَأَ الجميعْ
فَمُحْتَّلُّ أرضي في مَجازِرِهِ فظيعْ
توقَّفَ لا يدري أيرْجِعُ أمْ يقودْ
إلى البيتِ أنعامًا بشوْقٍ إلى رُقود
وَإنْ هِيَ أيضًا قدْ تجاوزَتِ الحُدودْ
فهلْ عِنْدَها وَعْيٌ كذلِكَ للْجُنودْ
وما كادَ يَمشي خُطوتينِ إلى الأمامْ
ودونَ انْتِباهٍ للْبَنادِقِ في الظَّلامْ
أتاهُ الرَّدى مِنْ كلِّ صوبٍ إِذِ اللّئامْ
بدونِ تَجَنٍّ لا يخافونَ ذا انْتِقامْ
د. أسامه مصاروه