شَجَرَةُ الْمِيلَادِ
كَانَ أَبِي، كُلَّمَا
رُزِقَ بِمَوْلُودٍ،
زَرَعَ بِيَدِهِ،
فِي حَدِيقَةِ
الْبَيْتِ، شَجَرَةً.
إِلَّا يَوْمَ مِيلَادِي أَنَا،
زَرَعَ شَجَرَتَيْنِ:
شَجَرَةَ الْمَوْزِ،
وَشَجَرَةَ الصَّبَّارِ،
كِلْتَاهُمَا فَوْقَ صَخْرَةٍ.
ثُمَّ مَاتَ أَبِي قَبْلَمَا
أَسْأَلَهُ عَنِ الْفِكْرَةِ.
وَكَبِرْنَا وَهَرِمْنَا،
وَهَرِمَتْ بِنَا الْأَعْمَارُ.
وَكَانَ لِي أَقْدَارٌ،
وَكَانَ لِإِخْوَتِي أَقْدَارٌ.
وَأَمَّا أَنَا، فَكُنْتُ أَشْعُرُ
فَوْقَ ظَهْرِي بِأَحْمَالٍ،
خَفِيفَةٍ، ثَقِيلَةِ الْأَسْرَارِ.
وَكُلَّمَا كُنْتُ أَحْتَارُ،
أَقِفُ، أَسْأَلُ إِخْوَتِي
عَنْ شُعُورِي هَذَا،
فَيَسْخَرُونَ مِنِّي،
هَكَذَا شُعُورُ الْحِمَارِ،
سِوَى أَنَّ الْفَرْقَ:
الْحِمَارُ لَا يَسْأَلُ.
فَقُلْتُ لَهُمْ: يَا لَيْتَ أُمِّي
كَانَتْ سَدًّا، وَلَمْ تَحْبَلْ،
لَكِنَّ حَظَّكُمْ أَنَّ أَبِي
هَزَّ عُرْجُونَهَا الرُّطَبَ،
فَأَسْقَطَكُمْ لِي إِخْوَةً،
تَنْعَتُونَنِي كَأَنَّنِي الْأَهْبَلُ.
وَلَمَّا ازْدَادَتْ حَيْرَتِي،
ذَهَبْتُ أَسْأَلُ
سَيِّدَةً كَانَتْ كَاهِنَةً
تُرَاثِيَّةً، تَقْرَأُ الْمَنْدَلَ.
فَأَخْبَرَتْنِي أَنَّ أَبِي
لَمْ يَتَفَاءَلْ بِمِيلَادِي،
فَزَرَعَ شَجَرَةَ الْمَوْزِ،
كَأَنَّهُ يَقُولُ:
سَتَشْتَهِيكَ طَعَامًا
إِنَاثُ الْقِرَدَةِ الْمُتَسَلِّقَاتُ،
وَزَرَعَ شَجَرَةَ الصَّبَّارِ،
كَأَنَّهُ يَقُولُ:
يَا بُنَيَّ، كَمْ سَتَتَحَمَّلُ
مِنْ صَدَمَاتٍ وَأَزَمَاتٍ!
وَأَما أنا فأقُولُ لِأَبِي:
نَمْ هَادِئًا يَا أَبِي،
فرَغْمَ خِيَانَةِ الْأَقْدَارِ،
وَرَغْمَ خِيَانَةِ الْأَشْجَارِ.
سَأَزْرَعُ حَظِّي بِيَدِي،
بِقَطْعِ شَجَرَةِ الْمَوْزِ،
ثُمَّ قَطْعِ شَجَرَةِ الصَّبَّارِ.
لَكِنْ، هَلْ هَذَا هُوَ
مَا كَانَ يَقْصِدُهُ أَبِي؟