recent
أخبار ساخنة

هل تحبنا ياوطني .... للدكتور عبدالسلام فزازي

هل تحبنا يا وطني؛
هل تحبُّنا يا وطني
مثلما نحبُّك؟....

قل الحقيقةَ ولا تبالِ،
فنحنُ في زمنٍ مشؤوم،
زمنٍ صار فيه الصدقُ
أكثرَ وحشةً من الكذب.
قل لنا:
هل تحفظُ أسماءَ الذين
غادروا عيونَ أمهاتهم
وفي حقائبهم
حفنةُ ترابٍ منك؟
هل تعرفُ الذين
يمشون إلى البحر
وفي قلوبهم
وطنٌ آخرُ لا يعرفون اسمه؟
نحنُ نحبُّك يا وطني
كما يحبُّ اليتيمُ صورةَ أبيه،
وكما يحبُّ الغريبُ
نافذةً مضاءةً في آخر الليل..

نحبُّك
حتى حين تضيقُ بنا،
حتى حين توصدُ أبوابَك
في وجوه أبنائك،
حتى حين يصبحُ الحلمُ فيك
أغلى من قدرةِ الفقراء..

نحبُّك
ولا نريدُ منك ذهبًا،
ولا قصورًا،
ولا موائدَ معلّقةً في السماء؛
نريدُ فقط
أن نعيشَ فيك
بكرامةِ من وُلدوا على ترابك.
فهل تحبُّنا؟
أم أننا
مجردُ أرقامٍ في دفاترَ باردة،
وأصواتٌ مؤجلة،
وأسماءٌ تُستدعى
حين تحتاجُ الصناديقُ إلى أصابعنا؟..

قل الحقيقةَ يا وطني...
لا تخفْ منّا،
فنحنُ أبناؤك،
ونحنُ أكثرُ الناسِ معرفةً
بجراحك.
نعرفُ أين ينزفُ منك الحلم،
وأين اختبأتِ العدالة،
وأين نامتِ الأحلامُ
تحت ركامِ الوعود.
لكننا،
رغم كل شيء،
ما زلنا نحبُّك.
وهذه هي مصيبتُنا الكبرى:
أننا كلما كرهنا ما تفعلُ بنا،
ازددنا حبًّا لك.
وكلما قلنا:
سنرحل،
أعادتنا رائحةُ خبزِ الأم،
وأغنيةٌ قديمة،
وشجرةُ زيتون،
وقبرُ أبٍ ينتظرُ أبناءه،
إلى حضنك..

فيا وطني...
إن كنتَ لا تحبُّنا،
فقلها.
سنحزنُ قليلًا،
ثم نخبئُ دموعَنا
في جيوبِ المعاطف،
ونمضي.
لكن إيّاكَ
أن تكذبَ علينا.
فقد كذبَ علينا الجميع،
ولم يبقَ لنا
سوى حقيقةٍ واحدة:
أن الوطنَ
ليس خريطةً نعلّقها على الجدار،
ولا نشيدًا نرددهُ في الصباح،
ولا حدودًا تحرسُها البنادق...

الوطنُ
أن يجدَ الإنسانُ نفسَه
حين يقول:
أنا من هنا.
فهل تحبُّنا يا وطني
كما نحبُّك؟
قل الحقيقةَ...
فنحنُ،
في هذا الزمنِ المشؤوم،
لم نعد نخافُ
من الحقيقة.
نخافُ فقط
أن تكونَ الحقيقةُ:
أن الوطنَ يحبُّنا
حين نكونُ بعيدين عنه،
ويحتاجُنا
حين نصيرُ قريبين منه.

د.عبدالسلام فزازي.. في زمن باريسي صامت..
google-playkhamsatmostaqltradent