أمنياتُ قروي
سافرتُ إلى أمنياتي،
أو إحداها...
إنها المدينة.
عماراتٌ تناطحُ السحاب،
وأسواقٌ بها ما لذَّ وطاب،
وبناياتٌ عليها مرسومٌ
هلالٌ أحمر،
يمنحُ الحياة،
وبناياتٌ يرتادُها
شبابٌ بملابسَ بيضاء،
إنهم كالنقاءِ والبهاء،
في بناياتٍ واسعةٍ
اسمُها الجامعات.
وشوارعُ لا نهاياتَ لها،
وسيّارات،
وممرّاتٌ فيها
مخطَّطةٌ للعبور،
وإشارات،
وشرطةُ مرور،
وحافلات،
وطائراتٌ تجوبُ السماء،
ومطارات.
فأبهرتني المشاهدات،
فقررتُ أن أختارَ لي
سكنًا فيها،
لأغدوَ فيها وأبات.
ولكنَّ شيئًا ظلَّ
يداهمُ عقلي،
وينغّصُ عليَّ دهشتي:
إنَّ هذا زخرفٌ
وليس حياة.
فالناطحاتُ
ما كانت لتعلو
إلا بنطحِ
قوتِ الكادحين،
فتعلو،
وتسكنُها الباغيات.
والأسواقُ
للنظر فقط،
إن كنتَ لا تملكُ العملات.
والهلالُ الأحمرُ
خنجرٌ يقطرُ عبيطًا
من عظيمِ الجنايات.
وأمّا النقاءُ والبهاء،
فيصيرانِ عناءً وبغاءً
بمجرّدِ عبورِ
عتبةِ هذه البنايات.
وأمّا الشوارع،
فتستوطنُ أرصفتَها
أجسادٌ هزيلةٌ كالقصبات،
تستجدي رمقًا
من أيدي الحثالات.
وأقنعةُ كرامةٍ
يوزّعونَها على الفقراء،
لإخفاءِ سوء الخدمات.
وأمّا الخطوطُ والإشارات،
فلها العديدُ من الغايات؛
بعضُها سوطٌ مسلَّطٌ
لجبايةِ الغرامات.
ومطاراتٌ غايتُها المعلنة
وسيلةٌ للمواصلات،
والحقيقةُ قناعٌ
لما يستوطنُ بلدي
من بلدانِ النفايات.
فقررتُ التقهقرَ لقريتي،
فعدتُ إليها،
فسكنَ روعي،
حين وجدتُ نخلي
يناطحُ المجدَ شموخًا،
والباسقات،
ودعاءَ أمي
الذي يشفي
عِلَلًا مستعصيات،
ومجالسَ تفوحُ بالنقاء،
من الدروسِ النقيّة،
وأرضي التي تفوحُ
مجانًا
بأشهى الثمرات،
وابنةَ قريتي
التي تلبسُ العفّةَ
صونًا للكرامات.