recent
أخبار ساخنة

الغول ..... للأستاذ. عبدالصاحب أميري

الغول 
بقلم 
السفير عبدالصاحب أميري 
عبدالصاحب الأميري 
-----------
أيُّ كوكبٍ هذا الذي أعيش عليه؟
أيُّ كوكبٍ صار كوكبي،
منذ أن وضع الغولُ اللعينُ
قدميه على عتبة البيت؟
منذ ذلك اليوم
اختفت الابتسامة من الوجوه،
من وجهي،
من وجوه أطفالي،
ومن وجه زوجتي
الذي كان يكفي، ذات صباح،
ليُعيد للشمس معناها.
زرع الغولُ القلقَ في رأسي،
والخوفَ في عروقي،
والتوترَ في أعصابي،
ثم جلس يتفرّج
وهو يرى البيتَ الذي بنيته
حجرًا فوق حجر،
وحلمًا فوق حلم،
ينهار أمام عيني.
منذ جاء
وأنا أثور كالمعتوه
كلما سمعتُ طرقًا على الباب.
أيُّ بابٍ هذا
الذي صار يفصلني عن الموت؟
قد يكون الطارقُ إنسانًا،
وقد يكون الغول،
وقد لا يكون هناك أحد...
لكنّني أسمع الطرق
في رأسي.
وهنا يبدأ الرّعب.
يسكن هدوء غريب المكان،
هدوء يشبه لحظة
يتوقّف فيها العالم عن التّنفس.
لا أحد يتكلّم.
لا أحد يبكي.
حتّى صغيري
يتعلّم الصمت
قبل أن يتعلّم الكلام.
كأنّ الغول
لم يكتفِ بأن يخيفنا،
بل علّمنا
كيف نخاف حتّى من أصواتنا.
هشّم اللعين كلَّ أمنياتي،
تلك التي بنيتها
منذ كنت طفلًا،
وظللت أحملها معي
من صباحات الصّبا
حتّى هذا اليوم.
واليوم...
لا أمنية لي.
لا بيت أحلم به،
ولا غدا أنتظره،
ولا سماء أرفع إليها يدي.
أمنيتي الوحيدة
أن يرحل الغول
عن كوكبي.
لكن أينما ذهبت
أراه أمامي.
في الشّارع،
في المرآة،
في عيون أطفالي،
وفي الزوايا المعتمة
من ذاكرتي.
أراه يسبح
في حوضٍ من الدماء،
يبتسم لي
ابتسامةً لا أعرف
هل هي ابتسامة قاتل
أم ابتسامة من يعرف
أنّني صرتُ أعيش على حافة الموت.
كأنّه يقول:
تعال...
ولا أعرف
هل يريد قتلي،
أم يريد مني
أن أقتُل ما تبقى منّي.
سأعلنها حربًا
لكن ضدّ من؟
ضدّ الجياع؟
ضدّ الفقراء؟
ضدّ الضعفاء؟
لا...
أنا لا أريد قتل أحد.
ربّما كنت أبحث عن عدو
لأنّني عجزتُ عن رؤية عدوي الحقيقي.
فالغول
حين يعجز الإنسان عن قتله
يجعله يبحث عن ضحيّة.
وهكذا
يولد العنف من الخوف،
ويولد الظّلم من العجز،
ويتحوّل المقهور، أحيانًا،
إلى جلادٍ
دون أن يدري.
لا أدري ماذا أفعل.
القلق ينهشني،
والخوف يسكنني،
والتّوتر يشدُّ أعصابي
كأنّها حبالٌ
مربوطةٌ إلى هاوية.
حتّى النّوم...
النّوم الذي كان وطنًا صغيرًا
أعود إليه كلّ مساء،
هجرني.
أطارده في اللّيل،
وأتوسّل إليه:
دعني أغفو قليلًا...
دعني أنسى
أنّني أنا.
لكنّه يسخر منّي
ويتركني وحيدًا
مع الغول.
أغمض عيني
فأراه.
أفتحها
فأراه.
فأيُّ سجنٍ هذا
الذي لا يحتاج إلى جدران؟
وأيُّ غولٍ هذا
الذي لا يحتاج إلى باب
للدخول؟
أغلقتُ كل نوافذ البيت.
أغلقتها جيدًا،،
كأنّني أستطيع
أن أمنع الخوف من التّسلل
من شقوق الزّجاج.
لكنّني اكتشفت متأخّرا
أن بعض الوحوش
لا تدخل من النّوافذ.
إنّها تولد في الداخل.
تجلس في القلب،
وتكبر في الرأس،
وتتغذى من الذّاكرة،
ثمّ ترتدي وجوه الذين نحبّهم
كي لا نستطيع طردها.
وأغرب ما في الغول
أنّه لم يعد يطاردني.
لقد صار يعرف الطريق إليّ.
يأتي في المساء،
يجلس إلى جواري،
يحتضنني،
يقبّلني،
يغازل خوفي
كما لو كان حبيبًا قديمًا.
ثمّ يشرب من دمّي.
وأنا...
أتركه.
لأنّني،
بعد كلّ هذا العناء،
لم أعد أعرف:
هل أنا الذي أخاف من الغول،
أم أن الغول
هو الذي يخاف أن يتركني؟
ربّما لهذا السبب
لم يرحل.
ربّما لأنّه يعرف
أنّني إذا شُفيت من خوفي
سيموت هو.
وربّما...
وربّما كنتُ أنا الغول
دون أن أدري.
فمنذ أن دخل الخوفُ بيتي،
لم يعد السؤال:
متى يرحل الغول؟
بل:
متى أستعيد الإنسان
الذي كان يسكنني
قبل أن يأتي؟
بقلم
السفير عبدالصاحب أميري
عبدالصاحب الأميري
العراق
google-playkhamsatmostaqltradent