أمير نفسي في منامة وملامة
بديع عاصم الزمان
تَمالَكْ نَفسَكَ، لا تُملِّكِ النارَ مالَكْ،
فالغَضَبُ سائلٌ... يَحتَاجُ رِضاكَ تَكفُّـا،
ويرتقي مِن حُروفِ «الكَهفِ» صوتُ حَفرتِك،
إذ الحكمةُ تُستخرجُ مِن عُمْقِ عثرتِك.
وإن خاطبَتك النارُ، فاصمُتْ كما الصَّخر،
واجعلْ صداكَ دعاءً في سُجودِ الفكر،
فما الغضبُ إلّا سَحابَةُ جهلٍ تُمطِر،
وما الحِلمُ إلّا وَعيُ مَن لم يَخسَرْ مُلكَه.
رأيتُكَ أمسِ... ألمَسُ بيَدِي هَمسَك،
وألتَمِسُ: أفي نَبضِك سُموُّ مَلكك؟
أنتَ كما أراكَ... قد خَرَجْتَ مُستفيقًا،
من كابوسٍ ما احْتَمَلَ حُلمَك الوَسْنُ.
أكمِلْ طريقَ النُّورِ، وانشر صعوديَّ الشُّعاع،
فالضياءُ إذا دنا، بانتْ له الأرواحُ ركْعَى،
أنا يَدُك، حبيبي... فاشتعِلْ بي رِقّةً،
فالهوى نارٌ... ولكن في فُؤادي تُصلَحُ الشَّتّى.
يا حالِمًا... حُلمي أن أكونَ لك:
حَكيمًا، حليمًا، ناصحًا في الشدّةِ والرِّقّة،
تعلّمتُ حين بَحثتُ في القبرِ عن جُثّة،
فلم أجدْ... سوى مَخطوطةٍ ممّا غزلتْه يداك،
على جانبِ قلبي، بخيطِ دعائِك المُضيء.
سماي... مَن هؤلاء الأرواحُ الّذين يُصاحبونني؟
كَأنّي لَهم أميرٌ، وكأنّهم أنا... انعكاسِي،
يَسبقونني... يحمُونني... يَنتظرونَ أوامري،
وأحدُهم، في ظُلمة الليل، يَتقدّمني كخادمي،
يُشيرُ إليّ: "الأمير هنا"... وكأنّه تَحتَ يدي!
أمّاه، ألم أقُل لكِ:
انظري إلى الحُرّاسِ، في البرِّ وفي البحر،
انظري إلى سماءِ البحرِ بالليلِ... واضحة،
ولا تميلي نحو البرِّ، فهو شرُّ غاسِقٍ خفيّ.
أرى قُوىً عجيبة، وحُرّاسًا من نور،
صامدونَ بين البرّ والبحر،
يحسبون الأمواجَ، كأنّها تُترجم أمرَ الأمير،
وكأنّهم يُعيدون كتابة الميثاق.
وتقدَّمَ واحدٌ منهم... ذو لحيةٍ من نُور،
وقال لي: "إنّ فيكَ أمانةً لم تُفتَح،
مُغلقةٌ في ضلعك الأيسر... ومفاتيحُها ليست لك."
فقلتُ: "لِمَن؟"
قال:
"لها التي لم تَمُت،
بل توارت خلف حُجُب الصبر،
كي تُبصِرَكَ حين تُبصِر،
وتدنو منك حين تُوقن،
فإذا سألتَك النارُ عن اسمِك، فقُل:
أنا هو ظلُّ الرحمة،
حين اشتدَّ الغضب،
وأنا السرُّ المحفوظُ في الضلع الأيسر،
عِلمٌ مكتوب، في كتابٍ من نور،
لا يُفتَح… إلا بدعوةٍ تُقال في ساعة التجلّي."
وانتهى المنام،
لكنّ الميثاق بدأ يُكتَب من جديد،
بحبرٍ لا يراه إلا مَن عاد من الحلم وهو صاحٍ،
يلبس نورًا،
ويخفي في قلبه مفاتيح الغيب…
كما أنت
.