بين الحربِ والسِّلمِ خيطُ دُخان…
" هكذا تبدأُ الحكايةُ حينَ تضيعُ الجهات،
وحينَ يصبحُ الإنسانُ
سؤالاً معلقاً بينَ نداءِ الأرضِ
وصدى السماءِ".
قالتِ الحربُ:
أنا الحقيقةُ حينَ يعجزُ العدل الانساني،
أنا الصرخةُ حينَ يُخنقُ الصوت المبحوح،
أنا نارُ الذينَ سُرِقوا
فأعادوا كتابةَ الوجودِ بالبارود الفسفوري.
ضحكت…
وكأن في ضحكتِها بكاءُ أمهات،
ورجفةُ طفلٍ
لم يتعلم بعدُ
كيفَ يفرقُ بينَ الرصاصِ
والمطر.
وقال السِّلمُ،
وقد جلسَ على حافةِ قلبٍ متعب:
أنا الحلمُ الذي تأجلَ كثيراً،
أنا يدُ اللهِ
حينَ تمتدُّ خفيةً،
لتربتَ على وجعِ العابرين.
أنا شجرةُ زيتونٍ
تعرفُ أنَّ الجذورَ أعمقُ
من كلِّ البنادق،
وأنَّ الترابَ
لا يحفظُ إلا أسماءَ الذينَ أحبّوا.
بينهما…
كان خيطُ الدخانِ
يرتجفُ كفكرةٍ لم تكتمل،
كصلاةٍ انقطعتْ في منتصفِ الرجاءِ،
كروحٍ
لا تدري أتنتمي للرماد
أم للنور.
قال الإنسانُ:
يا حربُ…
كم مرةً سأموتُ فيكِ
كي أتعلمَ الحياة؟
ويا سلمُ…
كم مرةً سأحلمُ بكَ
ولا أجدُكَ
إلا في كتبِ الأطفال؟
في تلكَ اللحظةِ،
لم تجبِ الحربُ،
ولم يطمئنِ السِّلم…
بل تكلمَ الدخان:
أنا ابنُكما معاً،
أنا أثرُكما في صدورِ البشر،
فإن طهَّرتموني
صرتُ سحاباً يُمطرُ رحمة،
وإن تركتموني
اختنقَ العالمُ بي.
هكذا…
يبقى الإنسانُ
معلَّقاً بينَ نارٍ ونور،
يمشي على خيطِ دخان،
فإن وعى
صار الدخانُ طريقاً إلى السماء،
وإن غفل…
صار ستاراً
يُخفي عنهُ وجهَ الحقيقة.
فاخترْ…
أيها العابرُ في زمنِ التيهِ:
أن تكونَ رماداً يُعاد،
أم نفَساً
يكتبُ الحياةَ
من جديد.