امرأةٌ تسكنُ أنفاسي
امرأةٌ تحيا
بقانونِ الياسمينْ،
تُصافحُ القلبَ
على هيئةِ نبضٍ،
ثم تمضي
إلى مستقرِّها
في شُعَيباتِ الهواءْ.
إنها
تسكنُ أنفاسي،
فبكلِّ شهيقٍ
تستعيدُ الذاتُ عطرَها
فينتشي قلبي،
وبكلِّ زفيرٍ
يُرتِّلُ اسمَها
فيتعطّرُ محيطي،
كأنني
منبعُ الياسمينْ.
بسمتُها تُرى
في ضحكةِ عينيَّ،
ويُسمعُ صمتُها
كترتيلةِ عشقٍ
تقرعُها أجراسُ الروحْ،
بعنفوانِ راهبةٍ
نذرتْ نفسَها للعفافْ،
وبيقينِ مؤمنةٍ
اعتصمتْ
بحصانةِ العابدينْ.
أمشي...
فتسبقُني خُطاها،
أقفُ...
فتجلسُ في ظلّي،
وحينَ أحاولُ
أن أهربَ منها
أكتشفُ
أنني أهربُ إليها.
هيَ الزُّلالُ
حينَ يعطشُ قلبي،
وهيَ النارُ
حينَ يخبو موقدي،
وهيَ الوطنُ
إذا ضاقتِ المنافي،
وهيَ السلامُ
إذا اشتعلتْ
حروبُ هولاكو
والمستعمرينْ.
سألتُها بشهقةٍ
من عطرِها:
كيفَ استطعتِ
أن تستوطني
وتسكني رئتيَّ
دونَ إذن
أو سلطانٍ مبينْ؟
فتضحكُ وتقولْ:
أنا لم أسكنْ أنفاسَكَ،
بل أنفاسُكَ
هيَ التي اختارتني
وطناً
لهناءٍ مقيمْ.
ومنذُ ذلك اليومِ
صرتُ أتنفّسُها
كما يتنفّسُ الفجرُ
نورَه،
وكما تتنفّسُ
الأرضُ المطرْ.
فإنْ سألوني:
أينَ تسكنُ حبيبتُكَ؟
أشرتُ إلى صدري
وابتسمتُ وقلتُ:
لا تبحثوا عنها
في المدنِ،
ولا في الخرائطْ،
فثمّةَ امرأةٌ
اتخذتْ من أنفاسي
بيتاً،
ومن قلبي
وطناً لا يشيخْ.
وحينَ أموتُ
لن تُفارقني،
فيظنُّ العابرونَ
أنَّ قبري
ضريحُ عاشقٍ
من نسلِ الصالحينْ،
عاشَ عطراً
ومات كالياسمينْ.
قلمي
د. عدنان الغريباوي