مدينتي "الحاجب" تتكلم لغة أطلسية..
مدينتي الحاجبُ…
تتكلمُ لغةً أطلسيّةً لا تُقال،
بل تُعاشُ كما يُعاشُ الوجدُ
حين يفيضُ عن حدودِ الكلام.
هناك،
حيثُ الجبلُ ليس حجراً فقط،
بل ذاكرةُ اللهِ في التراب،
وحيثُ الريحُ تمرُّ
فتُوقظُ فينا أسماءً
كنّا نظنّها ماتت.
الحاجبُ…
يا انحناءةَ الأطلسِ في صدرِ الزمن،
يا سِرَّ الماءِ حين يتخفّى
في عروقِ الأرض،
ثم يظهرُ فجأةً
كدمعةٍ تابتْ عن الجفاف.
فيكِ،
لا يسيرُ الإنسانُ وحده،
بل تمشي معهُ ظلالُ أجداده،
وتُمسكُ يدَهُ
أرواحٌ تعرفُ الطريقَ
أكثرَ منه.
مدينتي،
كلُّ حجرٍ فيكِ شاهدٌ
على عبورِ الذينَ أحبّوا
ثم مضوا
دون أن يطفئوا قناديلهم.
وكلُّ شجرةٍ
تُصلّي بطريقتها،
ترفعُ أوراقها نحو الغيب،
كأنها تسأل:
هل ما زال في الأرضِ
متّسعٌ للصفاءِ؟
الحاجبُ…
ليست مدينةً تُزار،
بل مقامٌ يُرتقى،
كلما اقتربتَ منه
خلعتَ عنكَ ضجيجَك،
ودخلتَ
خفيفاً…
كفكرةٍ نجتْ من الضياع.
هنا،
الزمنُ لا يجري،
بل يتأمّل نفسهُ
في عيونِ العابرين،
ويكتشفُ
أنهُ كان دائماً
أبطأَ من الحنين.
مدينتي،
يا لغةً من نورٍ مُعتّق،
يا نشيداً
لا تحفظهُ الحناجرُ
بل تحفظهُ القلوبُ حين تتعب،
كيف علمتِني
أنّ الغيابَ شكلٌ آخرُ للحضور؟
وأنّ الذي نتركهُ خلفنا
يسكننا
أكثرَ مما نسكنه؟
أنا منكِ…
ليس لأنني وُلدتُ فيكِ فقط،
بل لأنكِ كتبتِني
كما تُكتبُ الآياتُ على الماء،
ثم تركتِني
أبحثُ عني في اتساعكِ.
الحاجبُ…
يا همسةً بين الأرضِ والسماء،
يا سراً
يتجلّى لمن انكسروا
فعرفوا الطريق،
كلما أوشكتُ أن أضيع،
أسمعكِ تنادينني
بصوتِ جبلٍ لا يصرخ،
لكنّهُ
يُعيدُ ترتيبَ الروح.
فأعود…
لا لأراكِ،
بل لأتذكّر
أنني لم أغادرْكِ يوماً،
وأنّ في داخلي
أطلساً صغيراً
ما زال
يقاومُ السقوط.